لم يكد المصريون يستمدون بعض الطمأنينة من تعهد رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي بعدم المساس بالدستور، وتأكيده أن عام 2030 سيشهد نهاية ولايته الرئاسية الثالثة، حتى وجّه إليهم ضربة قوية بالكشف عن نيته اختيار حاكم مصر المقبل عبر برنامج تدريبي تنظمه الأكاديمية العسكرية التابعة للقوات المسلحة.
وفي تقرير نشره موقع ميدل إيست مونيتور، يوضح الكاتب محمود حسن أن السيسي، البالغ من العمر 72 عامًا، أدلى بهذه التصريحات مطلع الأسبوع الجاري خلال حفل تخرج دفعات جديدة في الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الإدارية الجديدة، شرق القاهرة. وجاءت التصريحات بعد أيام قليلة من تجديد التزامه بالدستور خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة.
عسكرة منصب الرئاسة.. الأكاديمية العسكرية بوابة لاختيار الحاكم المقبل
تطرح رؤية السيسي توسيع دور الأكاديمية العسكرية، التي تتولى بالفعل تدريب القضاة والدبلوماسيين والمعلمين وأئمة وزارة الأوقاف وموظفي الدولة في قطاعات مختلفة.
وبموجب الخطة، ستتولى الأكاديمية أيضًا إعداد جيل من القيادات المؤهلة لتولي منصب الرئاسة وغيرها من المناصب الرئيسية في الدولة.
وقال السيسي، الذي وصل إلى السلطة عقب انقلاب عسكري أطاح بأول رئيس مصري منتخب ديمقراطيًا، محمد مرسي، في 3 يوليو 2013، إنه سيحرص قبل مغادرته منصبه على أن «تكون هناك عناصر قادرة في مصر على تحمل المسؤولية».
وأضاف السيسي: «هيتدربوا في الأكاديمية علشان يفهموا طبيعة الدولة وإزاي يحافظوا عليها، وتبقى فيه فرصة للاختيار والانتخاب من بينهم». وتابع أن «محدش خبيث أو مجرم أو خائن هيحكم مصر بعدي».
وتأتي المبادرة الرئاسية قبل أقل من أربع سنوات على انتهاء الولاية الثالثة للسيسي، وتتضمن برنامجًا تدريبيًا يمتد 30 شهرًا، تموله القوات المسلحة، ويشمل أكثر من 7500 ساعة من التدريب والتعليم.
ويستهدف البرنامج الحاصلين على درجة الدكتوراه، ممن تتراوح أعمارهم بين 40 و50 عامًا. وفي الوقت نفسه، يجري إعداد مشروع قانون لتنظيم البرنامج ووضع آلية لاختيار المرشحين المؤهلين لخوض الانتخابات الرئاسية لعام 2030.
واللافت أن السيسي اقترح إعفاء بعض الأشخاص من البرنامج، من بينهم من أمضوا ست سنوات أو أكثر في العمل الحكومي، على أساس امتلاكهم الخبرة العملية اللازمة لتولي المسؤوليات القيادية.
ويرى الباحث السياسي حمدي المصري أن هذا الاستثناء يفتح الباب أمام إعداد أحد المقربين من الرئيس لخلافته، دون التقيد بنتائج البرنامج، أو هندسة انتقال مشروط ومحسوب للسلطة، يفضي إلى اختيار خليفة يحظى بتوافق داخل دوائر الحكم، ويواصل السياسات الأمنية والاقتصادية المتبعة منذ عام 2013.
من جانبه، قال الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن «مجرد اشتراط تخرج المرشحين في انتخابات الرئاسة لعام 2030 من الأكاديمية العسكرية يمثل في حد ذاته انتهاكًا للدستور، الذي لا يفرض هذا الشرط للترشح للانتخابات الرئاسية أو أي انتخابات أخرى».
وعلّق الصحفي المصري البارز عبد العظيم حماد، رئيس التحرير السابق لصحيفتي الأهرام والشروق، في منشور على صفحته الشخصية بموقع فيسبوك، قائلًا: «حتى في الديكتاتوريات مثل الصين، تُعد الأحزاب السياسية والانتخابات الأكاديمية التي تُنتج القيادات السياسية. لقد أرهقتنا يا سيادة الرئيس بأفكار أغرب من الخيال».
مناورة سياسية.. وعود احترام الدستور تثير الشكوك
تنظر المعارضة إلى تعهدات السيسي باحترام الدستور باعتبارها مجرد مناورة سياسية تهدف إلى تهدئة الغضب الشعبي، في ظل استياء واسع، وإن كان مكبوتًا إلى حد كبير، بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة والأسعار، وانخفاض الأجور، وتزايد الفقر والبطالة، وتراكم الديون المحلية والخارجية.
وقبل سنوات، قطع السيسي تعهدًا واضحًا خلال مقابلة مع شبكة «سي إن بي سي» الأمريكية، قال فيه: «أنا مع الالتزام بمدتين رئاسيتين، مدة كل منهما أربع سنوات... ولن نتدخل في الدستور».
لكن وزير الدفاع السابق، الذي تولى الرئاسة رسميًا في يونيو 2014، تراجع عن وعوده، ونجح في تمرير تعديلات دستورية عبر استفتاء أُجري عام 2019. ومددت التعديلات الولاية الرئاسية من أربع سنوات إلى ست، وسمحت له بالترشح لولاية ثالثة، ومهدت الطريق لبقائه في السلطة حتى عام 2030. وبذلك، ضاعف السيسي المدة المحتملة لحكمه من ثماني سنوات إلى 16 عامًا.
وفي منشور على فيسبوك، رأى الناقد المصري محمد عبد الباسط، أستاذ النقد وتحليل الخطاب بجامعة أسوان جنوبي البلاد، أن «الهدف من اقتراح السيسي هو قطع الطريق أمام نوعين من الرؤساء: الإسلاميين بمختلف توجهاتهم، ثم القوميين بمختلف أطيافهم، وعلى رأسهم أحمد طنطاوي».
ويُعد طنطاوي صحفيًا وسياسيًا معارضًا يساري التوجه، وسبق له عضوية مجلس النواب. وقد برز بوصفه منافسًا محتملًا للسيسي، لكن الأجهزة الأمنية عرقلت جمع التوكيلات الشعبية المطلوبة لترشحه، ما اضطره إلى الانسحاب من السباق الرئاسي في عام 2024. وأدانته محكمة مصرية لاحقًا بتهمة تداول أوراق انتخابية دون تصريح رسمي، وحكمت عليه بالسجن، كما حرمته من الترشح للانتخابات البرلمانية لمدة خمس سنوات.
سيناريوهات مقلقة لخلافة السيسي.. من التمديد إلى التوريث
في ظل اتساع الشكوك وانعدام الثقة في تصريحات السيسي ومواقفه، تتداول الأوساط المصرية عدة سيناريوهات بشأن مستقبل الحكم.
يتمثل السيناريو الأول في تراجع الرئيس عن تعهده، وتشجيع حملات شعبية تطالبه بالبقاء في السلطة، مثل حملة «متسبناش يا سيسي»، أو افتعال أزمات أمنية لتبرير استمرار حكمه. وقد يعمد البرلمان عندئذ إلى إقرار تعديلات دستورية تمدد بقاءه في السلطة حتى عام 2036.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تعيين الرئيس نائبًا له لضمان انتقال أكثر سلاسة للسلطة. ويقضي السيناريو الثالث بأن تشهد مصر بالفعل وصول رئيس جديد، يخرج من برامج التدريب المقترحة، ويخوض انتخابات رئاسية تنافسية وفقًا للدستور، بما يمهد لانتقال سلمي للسلطة يحافظ على استقرار الدولة ومؤسساتها.
وفي المقابل، طرحَت مصادر برلمانية تحدثت إلى «ميدل إيست مونيتور» شريطة عدم الكشف عن هويتها سيناريو رابعًا، يقوم على إعداد خليفة يحظى بقبول سياسي وأمني، مع احتفاظ السيسي بصلاحيات استثنائية خلف الكواليس، على غرار تجربة الرئيس المؤقت عدلي منصور.
وتولى منصور الرئاسة عقب الانقلاب العسكري في منتصف عام 2013، وقاد البلاد خلال مرحلة انتقالية استمرت عامًا واحدًا، قبل أن يمهد الطريق أمام وزير الدفاع آنذاك لتولي المنصب، عقب فوزه في انتخابات يوليو 2014 بنسبة 96.91% من الأصوات، مقابل نحو 3% لمنافسه الوحيد، الزعيم اليساري حمدين صباحي.
ولا يستبعد أكثر المراقبين تشاؤمًا سيناريو خامسًا، يتمثل في الدفع بمحمود عبد الفتاح السيسي، نجل الرئيس، مرشحًا في الانتخابات الرئاسية المقبلة. ويأتي ذلك بعد تداول صور ورسائل عبر تطبيق واتساب، نشرتها جهات مجهولة، تروج لترشحه في انتخابات 2030 ضمن حملة واسعة.
ويشغل محمود السيسي رتبة عميد في جهاز المخابرات، وسبق أن تولى رئاسة المكتب الفني لرئيس جهاز المخابرات العامة، قبل أن يصبح نائبًا لرئيس الجهاز، ليكون ثاني أعلى مسؤول في المخابرات المصرية. وتشير تقارير إلى إشرافه على ملفات حساسة وارتباطه الوثيق باستثمارات اقتصادية كبرى.
وتحت عنوان «حملة أم لعبة؟»، شكك الصحفي محمد عبد الله، الذي عمل سابقًا لدى وكالة رويترز، في ملصق يروج لتوريث الحكم. وتساءل في منشور على صفحته الشخصية بفيسبوك: «هل هذا الملصق الذي يدعو محمود، نجل الرئيس، إلى الترشح وخلافة والده، بداية حملة منظمة، أم لعبة إلكترونية يقصد مبتكروها إثارة القلق والاضطراب في البلاد؟».
ويتمثل السيناريو السادس في إدارة مرحلة ما بعد السيسي عبر الدفع بشخصيات تكنوقراطية أو قيادات عسكرية سابقة إلى السلطة، بموافقة مؤسسات الدولة. ووفقًا للمصري، يتطلب هذا المسار شخصية توافقية تلتزم باتباع سياسات اقتصادية أكثر عدلًا والإفراج عن السجناء، بهدف تخفيف التوترات السياسية في البلاد.
أما السيناريو السابع، الذي تأمل المعارضة تحققه، فيقوم على نشوء حالة من الوحدة الوطنية بين القوى الليبرالية واليسارية والإسلامية، مدعومة بحشد جماهيري واسع. وقد يفضي ذلك إلى حركة ثورية تطرح مرشحًا قويًا في انتخابات الرئاسة لعام 2030، قادرًا على انتزاع السلطة من المؤسسة العسكرية وإعادة الجنرالات إلى ثكناتهم.
وفي جميع الأحوال، ستظل السنوات المقبلة محاطة بالغموض بشأن مستقبل حكم السيسي وهوية من سيتولى إدارة مصر في عام 2030. وتواجه البلاد مرحلة من الالتباس والقلق السياسي في ظل رئيس جنرال لم يعد يحظى بثقة غالبية المصريين، بعدما نكث بوعوده على مدى أكثر من 13 عامًا في السلطة.
https://www.middleeastmonitor.com/20261020-egyptians-do-not-trust-general-el-sisis-promises/?amp

